قصة عبد الرحمن بن عوف .. أغنى أغنياء قريش

قصة عبد الرحمن بن عوف
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

قصة عبد الرحمن بن عوف من أمتع القصص الإسلامية التي قد نرويها، لكونها قصة مليئة بالأحداث والصولات والجولات التي كان بطلها أغنى أغنياء قُريش ووقف كتفاً إلى كتف مع المُسلمين كافةً سواءً في العَهد النبوي – صلوات الله وسلامه عليه – أو في عهد الخُلفاء الراشدين، فمن هو عبد الرحمن ابن عوف؟ وما هي مواقفه في الإسلام منذ أن أسلم إلى أن توفاه الله؟، سنسرد ذلك تفصيلاً فتابعونا من خلال موقع اذكر الله.

فهرس المقالة

قصة عبد الرحمن بن عوف

نروي إليكم قصة عبد الرحمن بن عوف الصحابيّ الجليل الذي نال شرف عظيم خلده التاريخ الإسلامي على مر العصور، ألا وهو ذِكر النبي – صلى الله عليه وسلم – اسمه ضمن العشر المبشرون بالجنة.

ورد ذلك في قول النبي – عليه الصلاة والسلام “أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة”.

من هو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف؟

تبدأ قصة عبد الرحمن بن عوف بولادته في عام 581 م – 43 ق. هـ – في جوف مكة المكرمة، وتنتهي بوفاته في عام 653 م – 32 هـ – في البقيع بالمدينة المنورة، ونستعرض نسبه ضمن النقاط الآتية:

  • الاسم بالكامل: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
  • النسب مع النبي مُحمد صلى الله عليه وسلم: يجتمع النسب عند “كلاب بن مُرَّة”، حيث أن بني زُهرَة بن كِلاب هم أخْوال الرسول.
  • الأب: عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث، الذي قُتِل على يد بنو جَذِيْمَة في الغُميْصاء.
  • الأُم: الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان – إحدى اللواتي أسلمن وهاجرن وبايعن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الجدة: سلمى بنت عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح.
  • الأُخوة: عاتكة بنت عوف، هالة بنت عوف، عبد الله بن عوف، الأسود بن عوف.

قد يهمك :-الصحابي عبد الله بن الزبير .. مسيرة حياته ودوره فى الحروب

من هو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف؟

زوجات عبد الرحمن بن عوف وأبناؤه

ورد في قصة عبد الرحمن بن عوف – المُلقَّب بالصادِق البار وأبو مُحمد والغَنيّ الشاكِر – أنه قد تزرَّج من ستة عشر زوجة وأنجب الإناث والذكور، ونذكر تفاصيل ذلك فيما يلي:

  • الزوجات: أمّ كلثوم بنت عُتبة بن ربيعة، بادية بنت غيلان، أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، زينب بنت الصباح، سهلة بنت عاصم بن عدي، غزال بنت كسرى، أمّ حكيم بنت قارظ، أمّ حُريث، بنت شَيْبَة بن ربيعة، ابنةُ أبي الحَيْسَر بن رافع، سَهْلَةُ بنت سُهيل بن عمرو، مَجْدُ بنت يزيد بن سلامَة، أسماء بنت سلامة، بَحْرِيّةُ بنت هانئ بن قبيصة، تُماضرُ بنت الأصبغ، أم حبيبة بنت جحش.
  • الأبناء: سالم الأكبر، محمد، إبراهيم، حميد، إسماعيل، مَعْن، عُمَرُ، زيد، عروة الأكبر، سالم الأصغر، أبو بكر، عبد الله، أبو سلمة، عبد الرحمن، مصعب، سهيل، عثمان، عروة الأصغر، يحيى، بلال، أم القاسم، حميدة، أمة الرحمن، أمة الرحمن الصغرى، آمنة، مريم، أم يحيى، جُويرية.

مولد عبد الرحمن بن عوف

بحسب ما جاء في قصة عبد الرحمن بن عوف أنه وُلِدَ بعد عام الفيل – عام مولد النبي – بعشرة أعوام، واختلف المؤرخون في اسمه قبل الإسلام في الجاهلية فقال البعض أن أبويه قد أسموه “عبد عمرو” وقال البعض الآخر أنه اسمه كان “عبد الكعبة”، وحين أسلم مع النبي – صلى الله عليه وسلم – أسماه بعبد الرحمن، ولقبه بأبي مُحمد.

صفات الصحابي عبد الرحمن بن عوف

بحسب ما ذكرت زوجته “سهلة بنتُ الأعصَم” أنه كان أعنَق ذو أكتاف ضخمة، ولونه أبيض أعين، كما أنه أقنى الجبهةَ أهدَب الأشفارِ، لديه نابين علويين طويلين ولربما أُدمِيَت شفته من أثر نابيه، وله جُمة أسفل كلا أُذنيه.

أما عن الواقدي فقد وصفه قائلاً “كان عبد الرحمن رجلاً طويلاً، حَسن الوجه، رَقيق البَشرة، فيه جنأ، أبيض، مشرباً حمرة، لا يغير شيبه”.

وصفه ابن إسحاق قائلاً “كان ساقط الثنيتين، أهتم، أعسر، أعرج” إذ أنه أُصيب في غزوة أُحد فأصبح أهتمٌ وجُرِح أكثر من عشرين جُرحاً معظمها في أرجله فأصابه العَرَج، كما رويَ أنه كان مُحرِّماً لشُرب الخمر قبل إسلامه.

ماذا كان يعمل عبد الرحمن بن عوف؟

إن أشهر ما ذُكر في قصة عبد الرحمن بن عوف هو تجارته التي جنى من ورائها الكثير من المال، إلى أن أصبح أحد أغنى أغنياء قُريش وكان معطاءً لا يبخل على أحدٍ قط ويُغدق من ماله في سبيل نُصره الإسلام والمسلمين.

مهارة عبد الرحمن بن عوف في التجارة

أشاد أبو عُمر بمدى مهارة عبد الرحمن بن عوف في التجارة قائلاً “كان تاجرًا مجدودًا في التجارة، وكسب مالًا كثيرًا، وخلَّف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا، فكان يدخل منه قوت أهله سنة”.

جاءت له ذات يوم راحلة مُحملة بالدقيق ومن الطعام ما لذ وطاب، وحين وطأت أقدامها المدينة المنورة سُمِعَت رجةً لأهلها، وكانت آنذاك السيدة عائشة بنت أبي بكرٍ – رضي الله عنهما – في بيتها فقالت “ما هذا؟”، فجاءها الرد أنها “عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشامِ”.

تابع ايضا :-متى اسلم خالد بن الوليد؟

عبد الرحمن بن عوف أحد المسلمين الأوائل

روى لنا التاريخ الإسلامي ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف أنه كان واحداً من الثمانية الأوائل الذين سبقوا غيرهم بالإسلام، كما أن الفضل يرجع في ذلك لدعوة الصحابي أبو بكرٍ الصديق – بعدما أسلم – للإسلام.

ذكر ابن إسحاق أن عبد الرحمن بن عوف كان واحداً من ضمن الخمس رجال الذين أسلموا على يد الصديق، قائلاً “فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ – يقصد أَبي بَكْرٍ – فِيمَا بَلَغَنِي: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَمَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَنْبَأَهُمْ بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَبِمَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَآمَنُوا وَأَصْبَحُوا مُقِرِّينَ بِحَقِّ الإِسْلامِ، فَكَانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الإِسْلامِ، فَصَلَّوْا وَصَدَّقُوا رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَآمَنُوا بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ”.

أسباب إسلام عبد الرحمن بن عوف

قد جاءت البشارة لعبد الرحمن بن عوف من عسكران بن عواكِن الحُميري، إذ أنه كان مُبشراً بالبعثة النبوية قبل أن تأتي، ويسرد تلك القصة الصحابي عبد الرحمن قائلاً:

“كنت مُسافراً إلى بلاد اليمن وذلك قُبيل البعثة النبوية بحواليّ عام كامل، وما أن نزلت على عَسكران الذي كان حينها شيخاً كبيراً زاد الله – سبحانه وتعالى – له في العُمر، إلا وقد وجدته يُردد أبياتاً من الشعر قائلاً:

إذا مَا الشَّيخُ صمَّ فَلم يُكلّم .. وَأَودىَ سَمعُه إلّا يَدايا

فَذَاك الدّاءُ ليسَ لَه دواء .. سِوىَ الموُتُ المُنطّق بالرّزَايا

شَهدت بنا مَع الأملاك منّا .. وأَدركتُ المواقِف في القضايا

فبادوا أجْمَعين فَصرت جَلسًا .. صَريعًا لا أَبوح إلى الخَلايا

وتستطرد قصة عبد الرحمن بن عوف سبب إسلامه قائلاً “فما أن جَلست معه إلا وسألني عن حال مكةَ وأهلها، والعجب كل العجب في سؤاله هل ظَهَر فيها مَن يُخالِف دينَهُم أم لا؟ فلم أعي مقصده إلا حين قَدِمت لليمن في العام الذي بُعِثَ فيه النبي صلى الله عليه وسلم”.

أسباب إسلام عبد الرحمن بن عوف

بشارة عسكران بن عواكن الحميري

كعادة عبد الرحمن بن عوف ذهب لعَسكران حين توجه لليمن وتلك المرة وجده جالساً عاصباً عينيه وسأله قائلأً “انتسب يا أَخا قُريش” أي قل لي من أنت وما نسبك، فقال له “أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن زهرة”.

تبسم عسكران قائلاً “ألا أُبشِّرُكَ ببشارةٍ خير لك من التِجارة؟” قال “بلى”، فرد عَسكران قائلاً “أتيتُك بالمُعجِبة وأُبشرك بالمُرغبة” واستطرد “إن اللَّه قد بَعثَ في الشهرِ الأولِ من قومِك نبيًا ارتضَاهُ صَفيّا، وأنزلَ عَليه كِتابًا وَفيًا، يَنهَى عن الأصنامِ، ويَدعو إلى الإسلامِ، فيأمر بالحقِ ويَفعله، ويَنهىَ عنِ الباطلِ ويبطِله، وهو مِن بَني هَاشم، وإنَّ قَومَك لأخوالِه، يا عَبد الرحمن، وازِرَه وصَدّقه”.

ثم أوصاه بأن يحملَ له أبياتاً من شِعرِ عَسكران تقول:

أشهدُ باللَّهِ ذِي المعالي .. وفَالق اللّيل والصّباحِ

إنّك فِي السّرّ مِن قُريش .. وابنِ المُفدّى مِن الذّباح

أُرسِلت تدعُو إلى يَقينٍ .. تُرشد للحَقّ والفَلاحِ

هدّ كرورِ السّنين ركني .. عن مكرّ السّير والرّواح

أشهَدُ باللَّهِ رَبّ مُوسى .. أنّكَ أُرسلت بالبطاحِ

فكُن شَفيعي إلى مَليكٍ .. َيدعو البَرايا إلى الصّلاحِ

توجَّه عبد الرحمن بن عوف عائداً لمكةَ فلقيَ أبا بكرٍ فقص عليه بشارة عسكران، فأخبره الصديق بأن هذا هو مُحمدٍ بن عبد الله، وأن الله – سبحانه وتعالى – قد بعثه حقاً مُبشراً بالإسلام، وقال له “فأتِه”.

فأتاه عبد الرحمن ببيت السيدة خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها – وأخبره بقول عسكران والشعر الذي حمله إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “أمَا إِنَ أَخا حُمير مِن خَواصّ المُؤمنين، ورُبَّ مُؤمن بي ولَم يَرَني، ومُصدّقٌ بِي ومَا شَهِدَني، أوُلَئكَ إِخوانيِ حَقَّا”.

عبد الرحمن بن عوف والهجرتين

إن قصة عبد الرحمن بن عوف تكتظ بأفضاله سواءً في الهجرة الأولى للحبشة أو في الهجرة النبوية من مكة المُكرمة إلى المدينة.

بدأت القصة حين كان المُسلمون يجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقَم مع النبي – صلى الله عليه وسلم – قُرابةً الشهر الكامل، إلى أن وصل عددهم إلى أربعين مُسلماً رجالاً ونساءً.

حينئذٍ أتى للرسول وحياً من رب البرية بأن يُعلن عن دعوته للإسلام جهراً، فاغتاظت قُريش من ذلك وبدأ إيذائهم للمُسلمين، وذلك بعد دعوة النبي له ومجموعةً من خيار الرجال والنساء معه مُمتدحاً ملك الحبشة.

أكد النبي – صلوات ربي وسلامه عليه – أن النجاشيّ – ملك الحبشة – ملكاً عادلاً لا يُظلَم عِندَه أحداً، وبالفعل أسرع المُكلفون بالهجرة لبلاد الحبشة من بينهم عبد الرحمن بن عوف وهاجروا في شهر رجب للعام الخامس من البعثة النبوية.

هجرة المسلمون إلى الحبشة

ورد ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف أنه قد هاجر خمس عشر مُسلماً إلى الحبشة من بينهم أربع نساء، وما أن وصلوا إلى بحر القَلزَم – البحر الأحمر حالياً – إلا وقد وجدوا سفينتين فركب كلٍ منهم بنصف دينار، وما أن عَلِمَت قُريش بتلك الهجرة إلا وأسرعت للحاق بهم ولكن وقتما وصلوا للبحر كان المسلمون قد أبحروا بالفعل.

انتشرت إشاعَةً بأن أهالي مكَة قد أسلموا مما جعل عبد الرحمن بن عوف لم يمكُث كثيراً في الحبشة وعاد مُسرعاً لمكةَ ولبث فيها إلى أن هاجر مع النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة.

هجرة عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة

نَزَل عبد الرحمن بن عوف عند رَجُلٍ من الأنصار يُدعى سَعد بن الربيعِ الأنصاريّ، وهو رجل فقير لا يملك شيئاً قط، وحين آخى النبي – صلى الله عليه وسلم – بين المُهاجرين والأنصار آخى بين عبد الرحمن وسعد.

أظهر سعد بن الربيع موقفه الذي يشع إيثاراً، فقال لعبد الرحمن “إني أكثرُ الأنصَار مالاً فأقسِم مالي نِصفين وليَ امرأتَان فانظُر أعجبهُما إليكَ فَسَمها لي أُطلِقها فإذَا انقَضَت عِدتَها فتزوجَها”.

فقال له عبد الرحمن “بارك اللهُ لُك في أُهلك ومَالك، دُلني على السُّوق”، فَدَلَّه على سُوق بَني قَينقَاع، فذهب عبد الرحمن وتاجر وربح شيئًا مِن أقطٍ وسَمنٍ، وتَزوَج امرأةً منَ الأنصار.

ثم أتى النبيّ – صلى الله عليه وسلم – يوماً وعليه أَثَر الصُفرة، فسأله النبي “مهيم يا عبد الرحمن؟” فقال “يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار”، فرد النبي “فما سقت فيها – أي ما مهرها؟” فقال “وزن نواةٍ من ذَهَب” فقال النبي “أولِم ولو بِشاةٍ” فيقول عبد الرحمن “فلقد رأيتُني ولو رفَعتُ حَجَرًا رجَوتُ أن أُصيبَ تحته ذَهَبًا أو فِضّة”.

إقرا المزيد :-علي بن ابي طالب

كيف بدأ عبد الرحمن بن عوف تجارته في المدينة؟

بعدما هاجر عبد الرحمن بن عوف مع النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة بدأ تجارته بشراء جملاً بالاستدانة، ثم ما لبث إلا أن باعه بالثمن الذي اشتراه به، وتبقى له الخطام – أي الحبل الذي يتم ربط الجمل به.

اتخذها تجارته أن يشتري الجِمال بالاستدانة ويبيعها بثمنها ليجمع الخطام إلى أن تجمع له من الخطام ما يكفي ثمنها لشراء جمل، ومن ثم أصبح يبيع الجمال ويشتريها إلى أن كانت تلك هي بداية قصة عبد الرحمن بن عوف ونجاحه في تجارته بالمدينة المنورة.

حياة عبد الرحمن بن عوف في الحقبة النبوية

شَهِد الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف كافة المشاهد والغزوات مع سيدنا مُحمد – صلى الله عليه وسلم – كما حضر بيعَة الرِضوان وفَتح مَكة.

يروي سَعيد بن جُبير قائلاً “كان مقام أَبي بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد، كانوا أَمام النبي – صَلَّى الله عليه وسلم – في القتال ووراءَه في الصلاة”، والمقصد من ذلك أنهم كانوا يفدون النبي في الغزوات بأنفسهم، ويأتمَّون به في صلواتهم.

أما عن حكمته وفطنته فقد روي عن السلف أنه كان ممن يُفتى، فضلاً عن شهرته بكرمه وسخائه في العهد النبوي فقد قام بالآتي:

  • ذُكر ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف أنه تصدَّق بشطر – أي نصف – ثروته للإنفاق على الجِهاد في سبيلِ الله تبارك وتعالى.
  • ثم أتبعها بأربعين أَلف دينارٍ للمُسلمين.
  • اشترى خُمسمائة فَرَس ومثلهما راحِلة.
  • أعتَق الكثير من العبيد، فقد روي عنه أنه قد أعتق قُرابة الثلاثين عبداً في يومٍ واحدٍ فقط.
  • ذات يوماً قام ببيع أرضٍ بأربعين ألف دينار، ولم يلبث إلا أن قام بتوزيع المال كله على أُمهات المؤمنين والفقراء وأهله من بني زهرة.
  • كما أنه أعتق ما يزيد عن ثلاثين ألف بيت، فقد روي عن طلحة بن عبد الله “كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا”.

موقف عبد الرحمن بن عوف في غزوة أحد

يُحكى في قصة عبد الرحمن بن عوف أنه كان من الصامدين يوم أُحد، وأنه حين فرَّ الكثيرون بقيَ في صفوف المُسلمين يُقاتل باستماتةٍ، إلى أن وصل به الحال للآتي:

  • كُسِرَت مُقدمة أسنانه وبات ينزف بشدة.
  • أُصيب بجروحٍ فاقت العشرين جُرحاً بساقه نجم عنها عرجاً في سيرته بقيَّت حياته.

اختيار عبد الرحمن بن عوف لمقاتلة بني كلب

وقع اختيار النبي – صلى الله عليه وسلم – على عبد الرحمن بن عوف يكون قائداً على سريَّةٍ خاصة، حيث بعثه النبي لدومة الجَندل لمُقاتلة بني كلاب بعد أن فروا من مواجهتهم، وكان ذلك في شهر شعبان من العام الخامس للهجرة.

أوصاه النبي قائلاً “هكذا فاعتم يا ابْن عوف اغد باسم اللَّه، فجَاهد فِي سبيل اللَّه تقاتل من كفر بالله، إِذَا لقيت شرفا فكبر، وإذا ظهرت فهلل، وإذا هبطت فاحمد واستغفر، وأكثر من ذِكري عسى أن يفتح بين يديك، فإن فتح عَلَى يديك فتزوج بنت ملكهم”.

سردت لنا قصة عبد الرحمن بن عوف  أنه حمل اللواء وانطلق على رأس سبعمائة مُقاتل من المُسلمين، وحين وصل إلى دومة الجندل لبث فيها ثلاثة أيامٍ يدعو أهلها للإسلام، وفي اليوم الثالث أسلَم الملك الأصبغ بن ثَعلبة ومعه الكثيرون من أهل دومة الجندل.

أما البقية فقد أمرهم بدفع الجزية مقابلاً لحمايتهم والدفاع عنهم، وبعدها نفذ وصية النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن تزوَّج من ابنة الملك – تُماضُر بنت الأصبغ – وأتى بها إلى المدينة وكانت أول امرأة كلبية تتزوج من رجل قُرشي، وأنجبا الفقيه أبا سلمة بن عبد الرحمن.

دعوة رسول الله لعبد الرحمن بن عوف

دعا النبي الكريم – صلوات ربي وسلامه عليه – لعبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – بدعوتين، إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، وهما كالآتي:

  • دعوة الدنيا أن يرزقه الله – سبحانه وتعالى – البركة في المال لكونه كان معطاءً كثير التصدق لسبيل الله.
  • دعوة الآخرة أن يُسقيه الله – تبارك وتعالى – من سلسبيل الجنة.
دعوة رسول الله لعبد الرحمن بن عوف

عبد الرحمن بن عوف وموقفه مع خالد بن الوليد

بعدما شَهِد عبد الرحمن بن عوف فَتح مَكة بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى بني جذيمة خالد بن الوليد، فقام خالد بقتل خطاء منهم، فدفع لهم النبي دية القَتلى، كما دفع لهم كل ما أُخِذَ منهم.

حين عاد خالد بن الوليد وتقابل مع عبد الرحمن بن عوف فقال له عبد الرحمن “إِنما قتلتهم لأَنهم قتلوا عمك” فرد خالد قائلاً “إنما قتلوا أباك”، أن بني جذيمة في الجاهلية قد قتلوا عَوف بن عبد عوف، كما قتلوا الفاكِه بن المُغيرة.

فقال النبي – صلى الله عليه وسلم “لا تسُبُّوا أحدًا من أصحابي. فإنَّ أحدَكم لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه” ليمنع غلظة القول التي احتدت في الحديث بينهما.

حقيقة صلاة النبي وراء عبد الرحمن بن عوف

يُروى عن المُغيرة بن شعبة في قصة عبد الرحمن بن عوف أنه بعد انتهاء النبي – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون ممن كانوا معه من غزوة تبوك التي صاحب فيها عبد الرحمن بن عوف النبي حدث الآتي:

“تَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – إِلَيَّ، أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُمْ، أَوَ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ يَغْبِطُهُمْ، أَنْ صَلَّوْا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا”.

هذا إن دل فإنه يؤكد على مدى قُدسية التوجه إلى الصلاة في وقتها وأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد فرح بالمسلمون لكونهم لم يؤخروا الصلاة انتظاراً له، بل اصتفوا وأمَّهم الإمام وأتموا الصلاة.

قد يهمك :-لماذا أسامة بن زيد هو حبيب رسول الله

مواقف عبد الرحمن بن عوف في عهد الخليفة عمر بن الخطاب

بحسب ما أورده التاريخ الإسلامي ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف فإنه كان يتمتع بمنزلة ومكانة كبيرة للغاية لدى الخليفة أمير المؤمنين – عمر بن الخطاب – إذ أنه كان يثق في حكمته ويستشيره في العديد من المواقف ويأخذ بتلك المشورة، ونسرد أبرز تلك المواقف فيما يلي.

نصيحة عبد الرحمن بن عوف وقت الطاعون

لعله من الجدير بالذكر هُنا أن من أبرز المواقف التي جمعت ما بين عُمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أنه في عام 18 هـ وحين تفشى مرض طاعون عمواس في بلاد الشام، كان أمير المؤمنين عُمر في طريقه للشام آنذاك بصُحبة عبد الرحمن، وحين بلغا سِرغ عَلم أن وباء الطاعون قد انتشر بالفعل.

فجاءت نصيحة عبد الرحمن له بالرجوع، مُستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم “إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارًا منه” فقرر حينها عُمر الرجوع إلى المدينة المنورة إعمالاً لقول رسول الله.

مصداقية عبد الرحمن بن عوف لدى أمير المؤمنين

حين فتح المُسلمون في عَهد الخليفة عُمر بن الخطاب بلاد الفُرس في عام 22 هـ تباينت آراء الصحابة حول أحقية فرض الجزية على أولئك المجوس.

وبحسب ما جاء في قصة عبد الرحمن بن عوف أنه أتى عُمر بن الخطاب وروى له أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد فرض الجزية من قبل على مجوس هَجر.

فصدَّقه عُمر وأخذ بشهادته وأرسل مُخاطباً جزء بن مُعاوية قائلاً “أن انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخذ الجزية من مجوس هجر.

دور عبد الرحمن بن عوف في الحج 

جاء في قصة عبد الرحمن بن عوف أنه في عام 23 هـ حين أتى موسم الحج في عهد عُمر بن الخطاب، استخلفه عُمر ليحج بالناس، وكانت تلك هي الحجة الأخيرة التي حجها أمير المؤمنين.

كانت حماية أمهات المؤمنين هي إحدى المهام المنوطة بعبد الرحمن، إذ أن عُمر قد أَذِنَ لهُن بالحج وحُمِلن بالهوادِج، فكان يسبقهُن براحلته عُثمان بن عفان من الأمام، بينما كان يسير خلفهُن عبد الرحمن ليكون مانعاً لهُن من دُنو أيَّ أحدٍ منهُن.

وصية أمير المؤمنين قبل وفاته

بعد أن طَعَن أبو اللؤلؤة المجوسيّ الخليفة عُمر بن الخطاب ودنت منه الوفاة، أوصى بأن يجمع ستٍ من بعده تكون لهم الشورى في اختيار خليفة المُسلمين، وكان اختياره لهؤلاء الست مرتكزاً على أن يكونوا ستٍ من الرجال الذين مات النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو راضٍ عنهُم.

تكوَّن أهل الشورى آنذاك من “عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص”.

ثم أمرهم عُمر بأن يجتمعوا لدى أحدهم في بيته ليتشاوروا، وأوصاهم بأن يحضر تلك المشورة ابنه عبد الله بن عُمر ليكون ضمن الناصحين دون أن يكون صاحباً للرأي.

استطرد موصياً بقوله “فإن رضي ثلاثة، رجلًا منهم، وثلاثة، رجلًا منهم، فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف”.

نستدل من ذلك على أن الكفة الراجحة هي التي تضم صوت عبد الرحمن بن عوف إعلاءً لشأنه وحكمته ومصداقيته، إذ أن عُمر بن الخطاب قد وصفه بالمُسدد الرشيد قائلاً “ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، مسدد رشيد، له من الله حافظ، فاسمعوا منه”.

أنهى وصيته بأن أمر صُهيب أن يُصلي بالمُسلمين لمدة ثلاثة أيامٍ إلى أن ينقضي أمر الشورى بين الرجال الست، ثم وافته المنية في غُرة مُحرم لعام 24 هـ بعد طعنه بثلاثة أيام، ودُفن بجوار النبي – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكرٍ الصديق.

اجتماع أهل الشورى

ورد في التاريخ الإسلامي ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف أنه قد اجتمع وبقيَّة أهل الشورى الست بعد دفن عُمر بن الخطاب ببيت السيدة عائشة بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – وقيل أنه كان بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس.

افتتح عبد الرحمن جلستهم قائلاً “اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم”، فاختار الزُبير قائلاً “جعلت أمري إلى عليّ” وقال طَلحة “جعلت أمري إلى عُثمان” وقال سعد “جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف”.

فأصبح هُناك ثلاثة مُرشحون للخلافة الإسلامية ألا وهُما عليّ وعُثمان وعبد الرحمن، فاستطرد عبد الرحمن قائلاً “أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه” فسكت كلاهُما – عليّ وعُثمان – فقال “أفتجعلونه إليَّ والله على أن لا آلو عن أفضلكما” فقالا “نعم”.

ذهب عبد الرحمن بن عوف بعدها يستشير صفوف المسلمين وفي يوم البيعة وبعد أن صلى المسلمون الفجر، وكان اليوم الأخير لشهر ذي الحجة من عام 23 هـ، أعلَن عبد الرحمن أنه مُبايعاً لعُثمان قائلاً “أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أراهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً”.

ثم خاطب عُثمان قائلاً “أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده” واستكمل البيعةً من بعده المُهاجرون والأنصار والجند وجميع المسلمين.

عبد الرحمن بن عوف ليس طامعاً في الخلافة

يُعلق الذَهَبيّ على قصة عبد الرحمن بن عوف وموقفه وقت اجتماع أهل الشورى حين نأى بنفسه عن أمر الخلافة قائلاً أنه لم يكن طامعاً بالخلافة بل عزل نفسه.

بل اهتم باختيار من تُجمِع الأُمة عليه، فلم يكُن مُحابياً لأخذها لنفسه أو لأقاربه، إذ رأي البعض أنه كان من الأولى أن يأخذها لابن عمه سعد بن أبي وقاص، وهذا وإن دل فإنه يُثبت مدى صدقه وأمانته وعدم انحيازه.

تابع المزيد :-قصه الحسين بن على كاملة

أبرز مواقف عبد الرحمن بن عوف في عهد الخليفة عثمان

لم تقل أهمية الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف في عهد الخليفة الثالث عُثمان بن عفان عن أهميته في عهد أمير المؤمنين، بل أنه كان ذو رأيٍ يُستشار ويُحترم ويُعمَل به.

كما أسند له عُثمان استخلافه في الحج كما فعلها عُمر من ذي قبل، وكان ذلك في عام 24 هـ فحج بالناس، وكان دائماً ما يزهد في الإمارة، حتى أنه حين أرسل له سعد بن أبي وَقاص رجلاً بخطابٍ وهو قائمٌ يخطب فقال له “أن ارفع رأسك إلى أمر الناس – بمعنى ادع إلى نفسك – فرد عبد الرحمن قائلاً “ثكلتك أمك، إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس”.

أراد عُثمان أن يوصي بخلافة المُسلمين لرجلاً من بعده فاختار عبد الرحمن بن عوف، وأرسل له كاتبه حمران بكتابه الذي يُسند له الخلافة فيه من بعده، وحين أتى حمران عبد الرحمن وقال له “البُشرى”، فقال له “وما ذاك؟” قال حمران “إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده”.

قام عبد الرحمن من مقامه على الفور داعياً بين المنبر والقبر قائلاً “اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر، فأمتني قبله”، ولم يلبث عبد الرحمن سوى ستة أشهر من ذلك إلا وقد وافته المنية.

عبد الرحمن بن عوف صاحب الخميصة السوداء

يُروى ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف عن المسوَر بن مخرمة أنه خرج في ركبٍ مع عُثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وبينما كان عبد الرحمن أمامه وعليه خميصةً سوداء، فسأل عُثمان قائلاً “من صاحب الخميصة السوداء” فقالوا “عبد الرحمن بن عوف”.

فناداني الخليفة عُثمان فقلت “لبيك يا أمير المؤمنين” فقال ” مَنْ زعم أنّه خير من خالك في الهجرة الأولى وفي الهجرة الآخرة فقد كَذَبَ”.

وفاة عبد الرحمن بن عوف

اختلف الأقاويل حول تاريخ وفاته فقد ذهب البعض إلى أنه توفيَ في عام 32 هـ واتجه البعض الآخر إلى أنه توفيَ في عام 31 هـ والقول الأول هو الأشهر، وقد وافته المنية عن عُمرٍ يُناهز الاثني وسبعين عاماً ويقول البعض أنه عاش لأكثر من ذلك.

وصية عبد الرحمن بن عوف قبل وفاته

أول ما ورد في قصة عبد الرحمن بن عوف من وصايا هو أن يُدفَع لكل من بقيَ من أهل غزوة بدر من الرجال بأربعمائة دينار، وكان من بقي من الرجال يُقدَّر بمائة رجل فأخذ كلٍ منهم ما أوصى به وكان من ضمنهم عُثمان بن عفان.

كما أوصى بإمداد الجيش بألف فرس من أجل الجهاد في سبيل الله جل في عُلاه، وأوصى أن يتم توزيع خمسين ألف دينار على المُسلمين فكان نصيب الرجل منهم ألف دينار.

أين دفن عبد الرحمن بن عوف؟

دُفِنَ بالبقيع بالمدينة المنورة وهي تُعد المقبرة الرئيسية لأهالي يثرب منذ العهد النبوي، وهي واحدة من أقرب الأماكن للمسجد النبوي.

صلى عليه الجنازة عُثمان بن عفان وقيل أن الزُبير بن العوام أيضاً قد تشارك في ذلك، ومن أبرز ما قيل في جنازته هو ما قاله عليّ بن أبي طالب “أَذْهَبُ عَنْكَ ابْنَ عَوْفٍ، فَقَدْ أَدْرَكْتَ صَفْوَهَا وَسَبَقْتَ رَنْقَهَا”.

حَمل سعد بن أبي وقاص نعشه مُمسكاً بقائمتيه ويقول من تحته “واجبلاه”، وقد ذُكر ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف أنه قبل وفاته أصابه الإغماء ثُم أَفاق فروى ما شاهده قائلاً:

“إِنهُ أَتَانِي مَلَكَانِ فَظَّانِ غَلِيظَانِ، فَقَالَا لِي: انْطَلِقْ نُخَاصِمْكَ إِلَى الْعَزِيزِ الْأَمِينِ، قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبَانِ، فَقَالَا: نُحَاكِمُهُ إِلَى الْعَزِيزِ الْأَمِينِ. قَالَ: خَلِّيَا عَنْهُ فَإِنَّهُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ”.

مُقام له حتى يومنا هذا مُقاماً في المملكة الأُردنية الهاشمية بمنطقة الجُبيهة بشمال عمان – العاصمة الأُردنية – وهذا المقام لا يُمثل ضريحاً بينما هو مُجرد تذكاراً وتشريفاً لمروره وإقامته بعد الوقت في هذا المكان في بلاد الشام.

ميراث عبد الرحمن بن عوف

رويَ في قصة عبد الرحمن بن عوف أن ميراثه من الذَهَب كان يُستعان بالفؤوس من أجل تقسيمه، حتى مُجلت أيدي الرجال منه، وخلف من بعده أربعةً من النسوة أخرجت لكل منهن ثمانين ألفاً ويزيد.

كما قُدِرَت ثروته وقت وفاته بحواليّ ثلاثة ملايين ومائتي ألفاً من الدنانير، وهذا بحسب ما جاء عن الحافِظ بن حَجر، حيث ورد عنه أنه قال “جميع تركة عبد الرحمن بن عوف ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف – أي ثلاثة ملايين ومائتا ألف”.

زهد عبد الرحمن بن عوف

بالرغم من شدة غنى عبد الرحمن بن عوف إلا أنه لم يكن متعالياً أو متكبراً بل كان زاهداً فيه، والأحرى من ذلك أنه كان يخشى كثرة ماله بما يزده تواضعاً فوق كرمه.

روى الإمام البُخاريّ في صحيحه أن “أَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَجَعَلَ يَبْكِي، وَقَالَ: قُتِلَ حَمْزَةُ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ، إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا”.

ذُكر ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف أنه حين وُضِعَ أمامه قطعة من الخُبز وبضعٍ من اللحم قال باكياً “هَلكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، فَلا أَرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا”.

كما ذكر المؤرخون استدلالاً بالوصف الذي أورده الصالحون أن عبد الرحمن بن عوف كان من شدة زُهده وتواضعه لا يُعرف إذ ما وُجد بين عبيده، بمعنى أنه لم يكن متفاخراً في ملبسه ومظهره.

كيف كان عبد الرحمن بن عوف باراً بأمهات المؤمنين؟

حباً في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وإجلالاً لمقامه ومقام زوجاته – أُمهات المؤمنين – فقد كان عبد الرحمن بن عوف دائماً ما يسعى لبرهم، وكان ذلك مُتمثلاً في الصور الآتية:

  • بعد أن وافت سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – المنية تولى عبد الرحمن بن عوف الإنفاق على أُمهات المؤمنين.
  • مما دفع كلٍ من السيدة عائشة بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – والسيدة أُم سلمة – رضي الله عنها – لأن تدعوان له بمثل الدعوة التي دعاها له النبي – صلى الله عليه وسلم – قائلتان “اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ”.
  • كما أوصى لأُمهات المؤمنين بحديقة فاق ثمنها الأربعمائة ألف دينار.
  • لم يقتصر البر على الإنفاق والمال فقط، بكل كان يحرس أُمهات المُؤمنين أثناء موسم الحج كما حدث في عهد الخليفة عُمر بن الخطاب في عام 23 هـ.
  • ورد عن الزبير بن بكار أنه قال “كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَمِينَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم على نسائه”.

إقرا ايضا :-عبدالله بن مسعود اول من جهر بالقران

هل روى عبد الرحمن بن عوف الأحاديث عن النبي؟

بالرغم من شدة قرب عبد الرحمن بن عوف من النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا أنه كان مُقلَّاً في روايته للأحاديث عن النبي، ولكن هذا لا يعني أن ليس له روايات بل يوجد له الآتي:

  • جمع “بَقيّ بن مخلد” في مُسنده عن عبد الرحمن بن عوف خمسةٍ وستين حديثاً.
  • اتفق عن روايته لحديثين في كلٍ من البُخاريّ ومُسلم.
  • انفرد برواية خمس أحاديث عنه الإمام البُخاري رحمه الله.
  • أما في مُسنَد الإمام أحمد بن حنبل فإن له واحدٍ وثلاثين حديثاً.

لعله من الجدير بالذكر أنه من الأحاديث التي اشتهر ذكرها ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف حيث قام بروايتها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال “إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ، فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”.

الصحابة الذين رووا عن عبد الرحمن بن عوف

هُناك أكثر من خمسة عشر صحابي جليل قد رووا عن عبد الرحمن بن عوف بعض ما نقله عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وأشهرهم الأسماء الآتية:

  • عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما.
  • عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما.
  • أنس بن مالك – رضي الله عنهما.
  • جبير بن مطعم – رضي الله عنهما.
  • جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام – رضي الله عنهم.
  • المسور بن مخرمة – رضي الله عنهما.
  • عبد الله بن عامر بن ربيعة – رضي الله عنهما.
  • التابعي مالك بن أوس – رضي الله عنهما.
  • كما روى عنه أبناؤه: إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، وعمرو، ومصعب – رضي الله عنهم.

أحاديث نبوية حول منزلة عبد الرحمن بن عوف

كانت منزلة عبد الرحمن شامخة ومرفرفة في أعالي السماء طيلة حياته، فقد خدم الإسلام بنفسه وماله، وقد وردت ضمن قصة عبد الرحمن بن عوف العديد من الأحاديث النبوية التي تُمجد في تلك المكانة والتي من ضمنها الآتي:

  • روت أم سلمة أنها سَمِعَت النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ لأَزْوَاجِهِ “إِنَّ الَّذِي يَحْنُو عَلَيْكُمْ بَعْدِي لَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ”.
  • في رواية أُخرى حيث جاء عن عائشة بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال “لا يحنو عليكن من بعدي إلا الصابرون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة”.
  • أحب  النبيّ – صلى الله عليه وسلم – عبد الرحمن حباً شديداً فقطع له أرضًا في الشّأم – يقال لها السّليل – فتوفّي النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، ولم يكتب له بها كتابًا وإنّما قال له “إذا فَتَحَ الله علينا الشّأم فهيَ لَكَ يا عبد الرحمن”.
  • عن أبي حجر العسقلاني في مقامه ومقام العشر المبشرون بالجنة أبيات الشعر الآتية:

سعد سعيد زبير طلحة وأبو .. عبيدة وابن عوف قبله الخلفا

لا تسألن القوافي عن مآثرهم .. إن شئت فاستنطق القرآن والصحفا

بعدما أوردنا أشهر ما يتعلق بـ قصة عبد الرحمن بن عوف بات لدينا أن نستخرج من تلك المواقف المُشرفة منهجاً لحياتنا، ونسعى لأن يكون هؤلاء الصحابة الأجلاء ومن قبلهم النبي – صلوات ربي وسلامه عليه – قدوتنا في تلك أيامنا المعدودة، ونكتسب منهم صفاتهم المحمودة ومدى نصرتهم للنبي والإسلام، ونتعلم منهم كيف لنا أن ننهض بتلك الأمُة الإسلامية إلى يوم الدين.

فيديو عن قصة عبد الرحمن بن عوف

قد يهمك ايضا :-

معاذ بن جبل

بدر الدين العيني

الحجاج بن يوسف الثقفي

من هو مسيلمة الكذاب االذي ادعى النبوة

المصادر

مصدر 1

مصدر 2

مصدر 3

هل كان الموضوع مفيدا لك ؟

هل لديك سؤال حول هذا الموضوع ؟!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on linkedin
LinkedIn
On Key

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هل لديك ملاحظات لتحسين تجربتك؟